1 قراءة دقيقة

مسرحية بيدرو والنقيب تطرح صراع وجودي قوامه الأنا والآخر، من خلال مونولوج يعري ملامح الحياة في المجتمعات التي ترضخ للحكم الشمولي

أحمد الحرباوي


أقيم يوم الثلاثاء الموافق 24-9-2019 في مسرح نعم/الخليل، العرض الثالث لمسرحية (بيدرو والنقيب) النص للكاتب الأوروغواياني "ماريو بينيديتي"، من إخراج أ.ايهاب زاهدة، تمثيل رائد شيوخي ومحمد الطيطي، تتحدث المسرحية عن بنية من التصارع في ظل محيط دكتاتوري شمولي يحاول طمس الآخر، وقيم الفردانية والحريات والتعددية، تقوم الحكاية المروية على لسان الشخصيات داخل العمل المسرحي على بنية من التصارع المنقول من دوائر كبرى (شرائح) في المجتمع لها مرتكزات أيدولوجية ومصلحية، ليتجسد في شخصيتان تتقابل في فعل الحكي، البوح الذي اعتمد عليه العمل المسرحي قائم على المونولوج (الحوار الداخلي) وله ارتداد في الفضاء الخارجي عبر عدة مستويات وصلت للديالوج (الحوار الخارجي بين الشخصيات) حيث تأسس هذا الحوار على مرتكزات داخلية ناتجة عن الصراع النفسي لكل شخصية حسب سياق نشأتها الاجتماعي، حيث أرست هذه الأخيرة عامل مؤثر ومهم في رسم ملامح الصراع القائم على نموذجيين أساسيين، هما التابع للسلطة المسيطرة، والمقموع الباحث عن وجوده.

 المهم في العمل وليس غريب عن طاقة مسرح نعم في توليف السيناريو العام للقصة ليتناسب مع المحددات الاجتماعية والثقافية والسياسية للمجتمع والجمهور الذي توجه إليه المسرحية، حيث كانت جميع دلالات اللغة المستخدمة داخل الحوار المسرحي تتلازم مع تلك البنية الاجتماعية والسياسية الفلسطينية، حيث جعلت المحيط الذي ينتمي إليه متلقي العمل هي التي يعتمد عليها الخطاب، من أجل تفكيك مركباتها التي أثرت في ظهور بنية ذلك الصراع الذي اعتمدت عليه المسرحية بشكل أساسي، وهنا أصبح المسرح المحلي يسير على خط موازٍ لقضايا مجتمعه ومشكلاته وآماله وطموحاته، حيث تم تركيب كل شخصية داخل الحوار حسب مركبات اجتماعية تشكل جزء أساسي من بنيات المجتمع الفلسطيني المتنوعة والمتصارعة والتي ترسم ملامح الحياة داخل ذلك المحيط بكل مكوناته.

ينفتح المشهد الأول من خلال موسيقى  تصويرية  ساهمت في منح المتلقي تيار شعوري مضطرب وقلق، عمل على تأسيس نزعة نفسية متوترة شكلت عتبة دخول لما سوف تحمله المسرحية في طرحها، المحقق خلف الطاولة، القهوة، وإصيص الزهور، أعطى دلالة مركبة عن التخبط، والذي عكس جزء من شخصية المحقق، والتي سوف يكشف عنها الحوار لاحقًا، استعراض المحقق مجموعة من البيانات التي شكلت قاعدة اتهام نحو الضحية، أعطت صورة عن شكل النظام السياسي الشمولي، القائم على مهمة الاستخبارات لضمان وجوده ضمن بوتقة التصارع، من خلال ما عرض على الشاشة من سخط وتذمر في الشارع ضمن نزعات احتجاجية فردية أو جماعية، شكلت شخصية الضحية أو المتهم نموذجًا لها، دل على وجود حركة مقابل بنية السلطة الشمولية، تمثلت في حركة احتجاج ترفض ذلك الاستبداد السياسي.

 من خلال فتح سياق المسرحية على الواقع الفلسطيني يمكن كشف تلك البنية التصارعية من خلال ما حدث في الشارع الفلسطيني من رفض لقانون الضمان الاجتماعي وسياسة الاعتقال السياسي وغيرها العديد من الحركات والاحتجاجات، وهذا يدل على أن المسرحية لم تناقش قضية وطنية تتعلق باحتلال ومحتل، بل كانت تصب في صلب الواقع والصراع الداخلي للمجتمع الفلسطيني، وما كشف عن هذه البنية هي البوح عند شخصية المحقق والمتهم، حيث استعرض كل منهما واقع التنشئة الاجتماعية والمحيط الذي ترعرع فيه، حيث أدى ذلك الاختلاف إلى نشوء شخصيتين تقفان على النقيض من بعضهما، وهذا ما سنأتي عليه لاحقًا،  كما أن خطاب النص مفتوح الأفق والسياق بحيادية تامة، ظل يدل على قضية انسانية تسلط الضوء على قضايا القمع ليس في الوطن العربي فحسب، بل يمكن لخطاب العمل المفتوح، الامتداد لإفريقيا وأمريكا اللاتينية وغيرها.

 من خلال المشهد الأول يرسل النقيب حوارًا نحو الضحية المقيد والملقى على الأرض دون أي رد فعل منه، حيث طرح في حواره مفاهيم المقاومة السلبية، وكان الحوار يستخدم كلمات تدل على كراهية الآخر، وهذا النوع من البوح المتصارع  استخدمه النقيب من أجل إضفاء شرعية على فعل الابتزاز والتحقيق (ردة فعل على كينونته)، وكان خطاب النقيب محمل بصراع نفسي وتناقض كبير، حيث جاء في المشهد تشغيل الموسيقى للمتهم، ليرسخ المشهد بنية التناقض عند الجلاد، وهذا ناتج عن فقدان قيم الانسانية عند الذات المقموعة، بالنسبة لسيميائية الحركة والايقاع على مستوى الشخصيات داخل المشهد الاول، جائت بحرفية تامة في صورتين: الأولى هي شخصية الضحية الساكنة، التي تدل على القمع والسلام الداخلي والنفسي، مقابل حركة النقيب المتوترة وغير المستقرة، والتي تدل على فرط في التيه وفقدان الاستقرار النفسي والداخلي، وهذا يدل على أن النقيب كان يبحث عن ذاته وصورته في رد فعل الضحية، ولكن الضحية لم يمنح جلاده ما يريد وهنا تكمن قوة المشهد، ومحاولة النقيب لاستعراض مشاهد التعذيب ضد بيدرو (المتهم) هي من كشفت عن تلك البنية المتعلقة في البحث عن الذات من خلال عذاب الآخر، واكتمل المشهد بحرفية عالية في حركة الرفض التي ابداها بيدرو في نهاية المشهد.

من أبرز ما هو مميز بالعمل، هو الديكور المسرحي البسيط ذو الدلالة الفاعلة في إغناء الحدث عند المتلقي على المستوى البصري، حيث وظف بمهارة عالية في خدمة النص عند المتلقي، حيث عمل على ترسيخ الحركة وايقاعاتها، مما ساهم في دعم قناعة المتلقي بصراعات الشخصيات بشكل متكامل على صعيد التأثير السمعي والبصري، حيث عملت دلالة االديكور على خدمة رسالة كل مشهد ببراعة.

  المشهد الثاني افتتح على حركة شبح بيدرو، وانتقال النقيب للتحقيق معه عبر ثلاث مرايا مقعرة، كان يظهر فيها وجه المحقق بشكل أكبر من جسده، وهذه الدلالة التي وظفت بمهارة كانت ذات مغزى تفضح غوغائية المحقق، وتضخم أناه الأعلى مقابل فقدانه لمنظومة اخلاقية وانسانية، وهذا يدل على أن كلام المحقق أكبر فعليًا من كيانه ووجوده.

الحوار من أبرز مقومات العمل المسرحي، ومن أهم عناصر المسرحية، من ملامح إبداع سيناريو العمل، أن كل شخصية كانت تطرح حوارها بضمير المتكلم وهذا جعل كل حوار يحمل إشارة إسنادية في القول تشير إلى كينونة صاحبها وموقعه داخل ذلك الصراع، لأن الخطاب يتطلب إشارتين أساسيتين هما الاسم والفعل – حسب بول ريكور- وهذا التكنيك الذي حمله الحوار من بداية العمل حتى نهايته، أشار إلى حتمية وجود عدة خطابات متعددة تحمل آفاق ذاكرة مختلفة، مرتبطة بالشخصيات المتنوعة في الصراع داخل دائرة الزمان والمكان الذي حملها النص، وهو المحيط الاجتماعي، فشخصية النقيب تحمل ذاكرة وهوية تختلف عن ذاكرة وهوية بيدرو، وهنا يتحقق عنصر الخطاب الأنطولوجي في دائرة الصراع ، داخل شقيه الفينومينولوجي (الذات) و الكوزمونولوجي (الكوني)، حسب مفاهيم بول ريكور للزمن.

أما بالنسبة إلى بناء الذاكرة نفسها في خطاب كل شخصية والذي أكسبها مقومات شخصيتها الحاضرة، فقد ارتبط بالكيفية التي بلورتها كل شخصية في إعادة تجسيد الذاكرة المتوارثة ذات الرؤية الأيدلوجية المتعلقة بالمكان، وفق منظور تخيلي خاص وهذا ظهر في المشهد الختامي من العمل،  فكان المونولوج يحاول تمثيل الماضي في سياق وجودي على مستوى الحوار.

حمل الحوار سمات مختلفة أضفت نوع من الارتكاز في تحليل كل شخصية، النقيب الذي ظل يبحث عن كلمة (آه) من أجل الشعور بالانتصار، لا يدل بالضرورة على خطاب الكراهيةـ بقدر ما يفضح  الطبقة السلطوية وما تنتجه من تراصف طبقي جديد في المجتمع، تحاول السيطرة من خلاله على كل شيء يهدد استمراريتها ووجودها، والبوح هنا بين بيدرو والنقيب كان يجر الشخصيات إلى التعري أمام الآخر كما أسلفت سابقًا، وتطور الصراع في تهديد النقيب لبيدرو بانتهاك حرمة اسرته وزوجته، حيث مارس فيما بعد بيدرو نفس هذا الابتزاز ضد النقيب، يكشف لدينا ملامح الصراع الاجتماعي داخل طبقات المجتمع، حيث أن بنيته الأساسية تدل على أنه يدور في مجتمع تقليدي ذو مفاهيم مقدسة، كما أن رضوخ النقيب لتلك المفاهيم في الحوار، كشفت عن بنية التصارع الاساسية والتي قوامها متعلق بالمكانة الاجتماعية وما يرتبط فيها من مصالح وظيفية واقتصادية تمنح للفرد كينونة داخل المجتمع المتضامن، وهذا الصراع تجلى في كيفية برر النقيب لجريمته في التهديد والتعذيب، حيث حاول أن يضفي عليها شرعية مستمرة.

هناك دلالات سيميائية تحسب للمخرج داخل العمل المسرحي من خلال توظيف المشاهد في العمل، مثل المرايا كما ذكرت سابقًا، وانفتاح المشهد الثالث على وجود بيدرو في الصندوق، وانعكاس وجهه في المرآة، وهذا له عدة دلالت منها: أن الحقيقة لا تحتاج لأن تكون مشخصة لكي نعترف بحقيقة وجودها، فهي موجودة حتى في انعكاسها على مبررات ممارسة الظلم، وانعكاس الوجه في المرآة دلالة على أن الحقيقة لها وجه واحد مهما حاولنا طمسه، وهذا يدل على أن الآخر المنتشي بعذابات الآخر يحاول ترميم ذاكرته المهشمة من خلال قمع الآخرين، كما أن هذه الجدلية ظهرت في المسرحية بعدة صور منها:

  • الابتزاز العائلي: وتدل على محاولة البحث عن القيم المفقودة عند الجاني.
  • الأحلام المتوارثة منذ الصبى، وهي من تعطي ملامح الشخصية الحقيقية، التي تكبر وتمارس جشعها أو كرامتها من أجل الوصول إلى ما فقدته منذ بداية وعيها.

وهذا الصراع الانساني بالأساس أفصح عنه تقابل الشخصيات في الرغبة في الحوار والحديث باحترام، وهذا ما رسخ على أن الجريمة مكتسبة وخاصة في شخصية المحقق، وبعد تحقق ذلك الفعل، انتقل الصراع إلى بنية أعمق، فالضحية الذي عبر عن نفسه بالموت (دلالة على عدم القدرة على التحقيق الحياة الكريمة والرغبات والأحلام) حتى بعد فك قيوده عاد إلى الصندوق، وهذه حركة تدل على رفض الاندماج في الواقع المزيف والقائم على المصالح الوظيفية، وهنا يجيب هذا المشهد عن السؤال الوجودي الذي تطرحه المسرحية وهو: كيف يتحول الانسان إلى جلاد؟ وخاصة عندما يسقط تحت فعل البوح، ليقول بأن الانسان هو من يصنع قدره وأن الضحية جلاد للجاني، والجاني هو ضحية نفسه وقيمه وجشعه، ففي المشهد الأخير عندما يتم شبح بيدرو بالسلاسل، يظل الجلاد يحاول البحث عن كينونته الضعيفة في بنية الآخر، يقف النقيب على الطاولة ليحاول الوصول إلى صورة بيدرو حتى وهو معلق بالهواء، وهذا اعتراف من النقيب بانهزامه، من خلال محاولته الدائمة في محاكاة بيدور حتى في وضعية لم يختارها لنفسه، وفي النهاية يختار بيدرو الموت بعد فقدانه لأمنيات الحياة البسيطة القائمة على الحب ومحاولة الالتحام بالآخر، الضحية في لحظات موته كان يتحسس باصابعه معنى الحياة والاستقرار والدفء حتى في صورة بترا (زوجته) التي كانت تتملك كل هواجسه ومخيلته في تلك اللحظة، كما أن أمنيات الشط والاحلام والتمدد على الشاطي والنجوم، والرغبة بالإعتراف للإبن بالحقيقة، دلالة على استمرارية الحياة رغم الظلم، وعلى أن الحياة الحقيقية لا تمارس إلا بطريقة واحدة وهي الحرية بدون أي سطوة حتى لو كانت ضمن خيال أو أمنية.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.