1 قراءة دقيقة

قال غوستاف فلوبير عن المؤلف :

" يجب أن يكون شأن الله في الكون.. موجوداً في كل مكان لكنّه لا يُبصر في أيّ مكان " 

" فخاخ الكلام " عنوان يصطاد الوعي و اللاوعي لدى القارئ .. فيحثّه على اليقظة و التركيز على هذا النوع من القصة الومضة .. التي تخطف البصر كبرق و تترك له صوت الرّعد لتمطر سماء المعنى مطراً سحّاً غدقا ؛ لينجح الكاتب في عكس الأدوار ففي حين يقع الكاتب تحت مجهر العين القارئة و الناقدة .. في فخاخ الكلام تركَ " عمر حمّش " القارئ في مواجهة مباشرة مع نصوصه في غياب كُلّي لحضور الأنا الكاتبة مقابل الفضاء الفسيح للقضايا الوطنيّة و الإنسانيّة التي تطرّق لها .

  هو قبطانٌ خفيّ يتركك للإبحار العميق مشترطاً عدم مرورك بأيّ ميناء إلا مروراً عابراً 

يمنحك فرصة التكهّن و التدقيق و الإعادة .. فسرده عمليّة ذهنيّة عالية المستوى تجعلك تتقافز بين الحين و الآخر على فخاخ الكلام .

   في مجموعته القصصيّة تسير على الأرض مستكشفاً الطعنات الخفيّة و الظاهرة في جسدها الشريف .. متدرّجاً من هموم المثقّف فيها كما في قصة " شاعر " ص9 إلى دور الإعلام الذي شرحه بـ " بيان ".. يشتدّ به الاضطرام حين ينقلك لمأساة المخيّم و كأنك تسمع أزيز الحسرة في جنبات النص .. حلم العودة للأرض المحتلة عام 1948 و التذكير بالمجازر التي قامت عليها ذات يوم .. يروي لك الواقع الغزيّ   بفقره و شظف العيش به في نص " الظهيرة " ص38 كما و يحكي عن الاغتيالات البشعة في " صباح مشمس" ص43 ..  و عذابات الأسرى  و انتهاك حياتهم   .                  

    لديه رمزيّة فتّاكة و سخرية لاذعة في انتقاد حال الفساد الداخلي في قصة "حصانة" ص9 .. بالإضافة إلى نظرته اتجاه دور المرأة على ماذا يجب أن يكون كما في " صهَلَ الفصيح " .. يذكر سيكولوجيا  عُدوان المحتلّ في نصه " طيّار "  .. هو كاتب يباغتك بالنهاية ..

في نصّه " إف 16 " يُطلق العنان لعزّة نفس و محاولة تشبّث بالأمل الفلسطيني كما يدوّن المقاومة بطريقته الأدبيّة الفذّة .. 

 انتقل للشأن العربي عبر ومضة " سيف عليّ " ص 12و " انتماء " ص22 

  استعان الكاتب ببعض الرموز التاريخية في التأصيل لنزاعات حالية لازالت قائمة ..  يختصرها " عمر حمّش " بومضةِ " ظلّ" ص23 .. ضمّ إلى ذلك رموزا تتلخص بالرّيح كناية عن التغيير و  الصبيّ معبراً عن الشهيد و المقاوم  ليتمّم بالأنياب موضّحا العدوان و الشراسة القائمة .. يُلحقها بمكبّر الصوت بصفته الإعلاميّة و العكّاز كحالة بين السقوط و الوقوف تكاد تكون أقرب إلى الشموخ العتيق . 

  حضرَ لديه معنى متوثّب كضيغمٍ هصور في سرده عن الموت و البعث فليس لديه شخصيّة ميتة كنوع من ملاحقة الحقيقة و اجترار الغصّة .. الأمل حضر حضوراً خجولاً في ومضة " حسبة " ص19 .. منطقيّ حين يوضّح أن المسئولية تقع على عاتق الشعب أيضا في ومضة "علاقة" ص41.

يأخذ بيد دمعك حين يروي المأساة العظيمة باقتضاب .. يُدميك بنقاط متلاحقة أو علامة تعجّب .. لا تملك مع فخاخ الكلام إلا اليقظة و تلك اللسعات الأدبيّة التي تقودك إلى ما وراء المعنى كأنها ميتافيزيقا اللغة و الهاجس المُثخن .. و لا عجب فـ عمر حمّش قرّر دور القلم في الحياة و المعركة حين  قال في منازلة : " السيف جاء، يُرقّص قامته الفاتنة ، لكنّه عند رأس القلم وقفَ ينوح ، ثُمّ عليه دار مبراةً صاغرة !

أخيرا .. تساؤلات برسم الفخاخ ..

  • لماذا غابت الضفة الغربية لو افترضنا أنَّ هذه التسمية العنصريّة للأرض مقبولة أين القدس من نصوص الكاتب ؟
  • هل الغموض الذي اكتنف غالبية النصوص  و الرّمزية الكبيرة قادران على خدمة قضيتنا كتاريخ و حاضر فلسطيني يتعرّض للاستيطان و التهويد الوقح الخالي من الاستعارات ضمن توثيق أدبي يخصّ المرحلة و تبعاتها ؟
  • نحن في زمن الخيبات لا محالة لكن كان لغزّة قدم سبق في دحر المُحتلّ الصهيوني من أراضيها رغم السيطرة المفروضة على حدود الصيادين في البحر و المعابر لماذا تصفعنا لغة الانكسار؟ حتى المقاومة في حضورها عند الكاتب إما بعين مُقتلعة من محجرها تقف في وجه طيّار أو بحديث شهيدٍ ودّع النور و لا زال يقاوم في الخواء ؟
  • ذكر الكاتب الموت و البعث في نصوص كثيرة .. أين الحياة رغم صعوبتها ؟؟ أين المستقبل القادم المخضّب بالأمل لقارئ بعمر السادسة عشر ؟
تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.